اسماعيل بن محمد القونوي
57
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والزور من الزور وهو الانحراف كما أن الافك من الافك وهو الصرف فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع ) لم يقيده بالقول للتعميم إلى القول والفعل كما نبهنا عليه قوله والزور بفتحتين وكذا الافك . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 31 ] حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 ) ( مخلصين له وهما حالان من الواو ) . قوله : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ [ الحج : 31 ] ) كالتأكيد لغير مشركين . قوله : ( لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر ) من أوج الإيمان الإضافة بيانية من قبيل لجين الماء وكذا حضيض الكفر فالسقوط من علو إلى سفل مطلقا وجه الشبه والمشبه به محسوس والمشبه معقول وقيل أوج الإيمان استعارة ولا يظهر وجهه وقيل وهي لفظة هندية معربة كما في بعض كتب الهيئة والمتبادر من السقوط أنه ممن كان من المؤمنين ثم ارتد العياذ باللّه تعالى والاشراك مطلق الكفر وإلا فيجعل تمكنه من الإيمان بمنزلته بالفعل فينتظم السقوط له أيضا . قوله : ( فإن الأهواء المردية توزع أفكاره ) أي المهلكة أو الرديئة « 1 » أي الدنية وهي ما لا يوافق الشرع والهوى رأي متبع للشهوة فإن كانت الشهوة مستقيمة فالهوى التابع لها مستقيم أيضا وإلا فلا توزع أفكاره أي فرق لأنه مضارع وزع بمعنى فرق قيل إنه إشارة إلى أنه تشبيه مفرق حيث شبه لإيمان بالسماء لعلوه والكفر بالسقوط منها والأفكار الموزعة لانكاره بطيور جارحة مختطفة والشيطان المضل بريح عاصفة ألقته في مهاوي مهلكة والظاهر أن قوله فتخطفه الريح استعارة « 2 » تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من الهواء المردي وتفريقه الأفكار المؤدية إلى المطالب العلية بحيث لا يكون لجمعه مساغ بالهيئة المنتزعة من الطير الجارجة والصيد وتفريق أعضاء الصيد إلى جهات مختلفة يتعسر أو يتعذر جمعها فاستعمل اللفظ الموضوع للمشبه به في المشبه وكذا الكلام في قوله تعالى : أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ [ الحج : 31 ] الخ . قوله : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ الأعراف : 29 ] معنى الإخلاص مستفاد من اللام الجارة في اللّه أي مائلين عن الباطل إلى الدين الحق مخلصين عبادتكم لوجه اللّه أي جاعلين عبادتكم أو ميلكم ذلك خالصا لوجه اللّه غير مرائين فيها قوله فإن الأهواء الردية توزع أفكاره يعني شبهت الصورة الحاصلة له مما وزعت وفرقت أهواء أفكاره إلى ما يليق أن يتفكر ويصرف فيه من الأباطيل وضيعت رأس ماله هي الفطرة السليمة القابلة للكمالات بصرفها إلى ما يكدرها ويدنسها من جهالات الكفر والمعاصي بصورة خطف الطير فيكون تشبيها تمثيليا .
--> ( 1 ) في نسخة المردية اسم فاعل من الأفعال وفي أخرى الردية . ( 2 ) وما ذكره القائل هو الملائم لقول المص لكن الظاهر أن المشيئة في قوله : فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ وقوله : فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ استعارة تمثيلية وليس التشبيه مسلطا عليه فتأمل .